الأطفال هم الشعوب
عندما يُبعثِر قلمي حُروفه في هذا العالم البرئ؛ لا يعني بالضرورة أنني أحمل شهادة الدكتوراة في التربية أو أنني لدي أطفال ونجحت في تربيتهم، فها هو الطبيب ” مصطفى محمود ” يكتب عن الحب والحياة ولكن زواجه باءَ بالفشل مرتين، وها هو ” نوح عليه السلام ” بُعِثَ ليُقوّم سلوگ قومه ولكن يتمرد عليه ابنه..!
ولكنني أتألم عندما أرى ارتكاب جريمة عنوانها “الإهمال والإقصاء” بكل وحشية وعنف تجاه الطفل.
فهل نحن حقّاً نُربي أبناءنا؟! أم أننا فقط نرعاهم؟! أم أننا نتّبع عوائلنا السابقة في بناء ونحت النقوش في هذه الصفحة البيضاء بالطريقة التي لا تتناسب مع هذا العصر المعلوماتي والتكنولوجي؟!
إن عالم الطفل وطريقة التعامل معه يظل عالم عظيم تألّفت فيه الكثير من الكتب والبرامج ولكننا نسلط الضوء على هذا التحدي من زوايا مختلفة قليلا.
فعندما نُرسل أبناءنا على سبيل المثال إلى الروضة، وتُرتكب هناك جريمة التلقين التي تُعلمهم نَتَاج تفكير الأخرين ولا يُعلموهم كيف يكونوا هم مفكرين بنفسهم؛ فبعد تعمق في البحث وجدت أن الفكر يمثل نواة حياة الإنسان، وبه بلاشك يمتاز عن غيره من الموجودات، فإذا أردنا ترسيخ فِكر الإبداع في أبناءنا علينا أن نهتم بما يطرحوا من أسئلة؛ فالأسئلة تكشف عن عقل صاحبها، فبعضها يدل على عقل خامل والبعض الآخر يدل على عقل نبيه يقرأ ما بين السطور، وإلا فإن قمع الأسئلة السجينة سيحولها إلا فگر مضادّ إن لم يُهتم بها. وأذكر في هذا الجانب عندما كنت في المدرسة الابتدائية صار بيني وبين أحد الطلاب عراگ عُنفواني فلم نلقى من الأخصائي الاجتماعي إلا التوبيخ والقسوة في التعامل دون أن يخاطب أفكارنا بسؤال بسيط على سبيل المثال(ماذا تستفيد أنت من هذا العراك؟! وما هي العواقب التي تترتب عليها؟!) بعد ذلك سيترسّخ في أذهاننا گم نحن حمقى في ارتكاب هذا الفعل، ولكن للأسف نسى الأخصائي قوة السؤال وإيحاءه و لم يكن له إلا التوبيخ، ولا يسعني إلا أن أقتبس مما قاله مصطفى السباعي: ” القسوة في تربية الولد تُحمّله على التمرد، والدلال في التربية يُعلّمه الإنحلال، وفي أحضان گِليهما تنمو الجريمة ”
إذن لا بد من إعطاء الطفل مساحة كافية لتبرير أفعاله مباشرة عندما يرتكب أي خطأ أو يتمرد عن السلوك السوي، عن طريق السؤال، فهناك يبدأ الطفل بعدها يسأل نفسه لماذا فعلتُ كذا؟! ومن المتضرر من ذلك؟!
ومنه فإن غرس روح الاطلاع والمطالعة لدى الطفل نحصل منها على الكثير من النتائج؛ فإنه بذلك يزيد قدرته على الاستكشاف ويعزز في نفس الوقت قدراته التخيلية وذلك عن طريق القصص وغيره من الاهتمامات، ويعتقد الكوميدي والؤلف الإنجليزي “ليز داوسون” في هذا الجانب ، أن ولع ابنته بالروايات جاء بفضل الكتب التي غرسها في منزله، ويقول” هناك من يزرع وروداً في أرجاء بيته، أما أنا زرعت كتبا ف قطفها أبنائي ” ونستقطب إحصائية مفزعة من منظمة التربية والثقافة والعلوم(اليونسگو) تشير: إلى متوسط قراءة الطفل في العالم العربي لا يتجاوز (6) دقائق في السنة خارج المنهج الدراسي..!! إلى أين يا أمة إقرأ؟!
ومن جهة أخرى، تشكيل شخصية الطفل في بداية أعوامه لا ينبغي أن ندعها لطيور الجنة أو لقناة كراميش أو الدراما التلفزيونية التركية، فالدراما والمجتمع الإعلامي في عصرنا هي ديوان شعوب العالم كما كان ديوان العرب هو الشعر، مثل ما وصفها سلمان العودة في كتابه(زنزانة..عادة مدى الحياة)، على أن الدراما لغة ضخمة في التعبير والتغيير وصناعة الرأي العام، تعتمد على مجموعة الحواس وليس مجرد السماع، وتخاطب الإنسان كله وتستهدف المتعة والإثارة والتعليم في آن واحد؛ إذن المشاهد يظل شريك يدخل في التفاصيل ويعيش الحادثة بلحظاتها، وأعجبني في هذا المجال ما قاله الصينيون:” قل لي وسوف أنسى، أرني وربما أتذكر، أشركني وسوف أحفظ ”
إذن أيها الأخوة والأخوات، الجريمة التلفزيونية يجب أن يتم استخلاصها في هذه الفترة فيما يبني الروح والفكر الإبداعي من برامج دينية وعلمية هادفة التي نحن بحاجة ماسّة لها في هذا الوقت، لتتشكل لكم شخصية مثقفة فاهمة لجوانب الحياة، لا تعرف الغلو والتطرف، فهذا هو ما يفتقر إليه عالمنا العربي للنهوض ويواكب التقدم والرقي.
يجب أن نعلم يقيناً أن الطفل يتأثر سلوكه على عدة مراحل من حياته وهي قابلة للتغيير على صعيد تقدم العمر بما حوله من الأصهار والجيران والحي والمدرسة والإعلام، ومن ثم الجامعة والإدارة أو الشركة أو المصنع؛ وذلگ لأنه إنسان ميّزة الله بعقل يتفكّر، ولا يمكن ترويضه كالحصان، فهو لديه حرية الاختيار؛ فلو توفرت كل الظروف لكي يكون صالحا، فاهناك احتمال وارد خروجه عن جادّة الصواب، وهذه سنّة الله في خلقه ولن تجد لسنّة الله تبديلا.
فلا بد أن نلقي اهتمامنا بگل ما أوتينا من قوة من أجل أن نصنع جيل واعد ومتعلم مع مواهب شابّة بلا صعوبة وانغلاق، ويحب السلام والتكاتف لغدٍ مشرق يسمو بأشرعة الإنجاز، ومن هنا يبدأ المستحيل..! [مرات المشاهدة (627)]
No comments:
Post a Comment