Friday, August 21, 2015

قلنسوة التدين

قلنسوة التدين

بقلم: أسعد بن أيوب العبري
التديّن عالمُُ غريب، تستهويني تفاصيله، طريقته وفِسيولوجِية عمله، مظهره وجوهره، الدينُ اليوم هو نفس الدين الذي تم تشريعه منذ قرون، ولكن الذي اختلفَ هو فهم الناس لهذا الدين، فعندما يتنوع التديّن الإنساني من الدين الأصلي الإلهي، تتجلى تحت مِظلة الدين العديد من المفاهيم له، ولعل الأديب الرافعي رحمه الله تعالى يلفت الإنتباه إلى مثال واضح يندرج ضمن ما نتحدث عنه، حين ينتقد خطباء الجمعة في زمانه وهم ممسكون بعصا من خشب يحسبون أنهم بذلك يتبعون سنّة النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يتقلد أحيانا سيفه في خطبته وما كان ذلك إلا شعاراً بجهوزية المسلمين للجهاد والدفاع عن دولتهم، فأتى بعض الخطباء يريد إتباع النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يفهم مقصد السيف ودلالته، فما دلالة سيف من خشب؟!! في زمن نفتقر فيه للفهم الصحيح للدين ليقود حركة الحياة..فإظهار أو  إرتداء أو اقتناء أشياء لها علاقة بالدين ليس دليلاً على قيمة الدين في نفوس من يعتنقه.. ولو كان ذلك دليلا..لكان (كارل ماركس) وغيرهم من  الملاحدة من أول المتدينين..
ف يتنوع التديّن حينها، أحدهم يعطي إهتمامه للجانب العقائدي، وأحدهم يُكرّس حياته للشعائر وأداء العبادات، والآخر يُطبّق أنظمة الإسلام وقوانينه لإدارة المجتمع والحياة، كل هذه الجوانب مهمّة ولكن..هنالك مملكة عظيمة، أسوارها شاهقة، تقع في صميم قلب هذا الدين، يغفل عنها الكثير، يُقال لها التقوى_الوازع الديني_ فما العقيدة إلا الأرض التي تزرع عليها، ولابد أن تكون صالحه للزراعة، يقول الله عزّ وجل:” قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله قل (أفلا تتقون) ” . إذن المعرفة والإعتراف بالله تعالى لا يكفي، وإنما المطلوب أن يثمر ذلك حالة التقوى في نفسك، والشعائر والعبادات إنما تندرج في قائمة البرامج والوسائل التي تساعد على غرس قيمة التقوى والوازع الديني في النفس، فعن الصوم يقول الله تعالى :” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم (لعلكم تتقون) “، فالوازع الديني هو الغاية والحصيلة من كل جوانب الدين، وجميل ما قاله الإمام علي رضي الله عنه :” التقوى منتهى رضا الله من عباده، وحاجته من خلقه”..
إذن الدين يكون على شكل مبادئ وقيم، يؤمن بها الإنسان، لتقود عجلة حياته، التي تغرس فيه روح المحبة والإخاء، وتجعله مهتما بحقوق الآخرين، حريص على المصلحة العامة، ويطلق لعقله العنان للتفكر والتدبر، والتخلص من الإنغلاق الفكري الذي كثيرا ما يكون من أسباب الخلل في قيمنا الاجتماعية، عندما نربط صلاح الأشخاص بالصواب، مما أدى إلى حصر طريق التعرف على صحة الأعمال والأحكام بصلاح الأشخاص لا بقوة  الدليل والبرهان، ولا ينطوي الدين فقط على الممارسات الطقوسية والعبادات التي يعتاد الإنسان على القيام بها..
الدين ليس أفيون، يمنعنا من العمل والإنتاج ونواكب التقدم والتطور، بل إنه عكس ذلك تماما، فهو يأمر بعمارة الأرض والإبداع وينبذ الكبت والتطرف واللغلو، ومنه فإن  هيستيريا الدعاء الذي أشكل علينا فهمه، والإعتماد على الدعاء والخضوع لله عزّ وجل؛ لأنه أسهل علينا من العمل وبذل الجهد، ولو كان مجرد الدعاء يغني عن العمل لاستغنى به النبي
صلى الله عليه وسلم وصحابته، وسلف هذه الأمة فإنهم الطبقة التي هي أولى بأن يسمع الله دعاءها، ولو
كانت الآمال تبلغ بالأدعية والأذكار، دون العمل والإجتهاد، لانّتقضت سنن الكون، وبطل التشريع.. ولم يقل الله تعالى “وأن ليس لﻹنسان إلاّ ما سعى”..إذن نحن لا نريد أن نجعل الإيمان مجرد اسم على جبيننا، والإسلام إلا رسمة عليه ومن القرآن إلا الترنم به وحفظه دون عمل وفهم وإدراك وتطبيق..
فلا بد لكل فرد منّا أن يبدأ بتغيير نفسه، ويساعد بعدها الآخرين؛ فسلوكنا ينعكس على من حولنا ومتى
وجِدت الإرادة وجِد الشيءُ المراد،ولا تحدثني كثيراً عن الدين والتديّن ولكن دعني أراه في سلوكك وأخلاقك.   [مرات المشاهدة (519)]

No comments:

Post a Comment